أحمد بن علي القلقشندي
38
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
في كل حكم بالحقّ وإن صدع ، وعدل لا يستلان جانبه ، وحزم لا يستزّل صاحبه ، ولا يستنزل راكبه ، وقوة في الحقّ تمنع المبطل من الإقدام عليه ، ولين في اللَّه يفسح للحقّ مجال القول بين يديه ، ومجالس غدت بالعلم طيّبة الأرج ، وفضائل يحدّث فيها عن موادّ فكره عن البحر ولا حرج ؛ وبدائع تضرب إلى استماعها أكباد الإبل ، وبدائه تهرم الأيام وعمر شبابها مقتبل . ولما كان المجلس العاليّ - أدام اللَّه نعمته - هو الَّذي ورد على أبوابنا العالية ونور ولائه يسعى بين يديه ، وصدر الان عنها وحلل آلائنا تضفو عليه ، وأقام في خدمتنا الشريفة معدودا في أكرم من بها قطن ، وعاد إلى الشّام مجموعا له بين مضاعفة النّعم والعود إلى الوطن ، وهو الَّذي تختال به المناقب ، وتختار فضله العواقب ، ويشرق قلمه بالفتاوى إشراق النّهار ، وتغدق منافعه إغداق السّحب بالأمطار ، وتحدق الطَّلبة به إحداق الكمامة بالثّمر والهالات بالأقمار ؛ وهو شافي عيّ كلّ شافعيّ ، ودواء ألم كل ألمعيّ ؛ طالما جانب جنبه المضاجع سهادا ، وقطع اللَّيل ثم استمدّه لمدد فتاويه مدادا ، وجمع بين المذهبين نظرا وتقليدا ، والمذهبين من القولين قديما وجديدا ، وسلك جميع الطَّرق إلى مذهب إمامه ، وملك حسانها فأسفر له كلّ وجه تغطَّى من أوراق الكتب بلثامه ، وانفتحت بفهمه للتصانيف أبواب شغلت « القفّال » ( 1 ) أقفالها ، ونفحت نفحات ما « للماورديّ » مثالها ، ومنحت حللا يفخر « الغزاليّ » إذا نسج على منواله سربالها ؛ فلو أدركه « الرّافعيّ » لشرح « الوجيز » ( 2 ) من لفظه ، وأملى
--> ( 1 ) ثلاثة من علماء الشافعية يعرف كل منهم بالقفّال وهم : محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي ، أبو بكر ، المتوفى سنة 563 ه . والثاني عبد اللَّه بن أحمد المروزي ، أبو بكر ، المتوفى سنة 417 ه ، ويعرف بالقفّال الصغير للتمييز بينه وبين القفال الأول . والثالث هو محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر ، أبو بكر الشاشي الفارقي الملقب فخر الإسلام ، رئيس الشافعية بالعراق في عصره ، والمتوفى سنة 507 ه . ( الأعلام : 6 / 274 و 4 / 66 و 5 / 316 وطبقات الشافعية : 117 و 197 ، 88 ) . ( 2 ) وهو كتاب « الوجيز » في الفروع للإمام أبي حامد الغزالي . من أهم شروحه الشرح الكبير الَّذي وضعه الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي الشافعي المتوفى سنة 623 ه والَّذي سماه « فتح العزيز على كتاب الوجيز » ( كشف الطنون : 2002 ) .